استغرق أحد الرسامين الموهوبين ساعات طويلة فى رسم لوحة زيتية للحظة الغروب من فوق قمة أعلى جبل فى أفريقيا وهو جبل كليمنجاروا فى تنزانيا، وبعد ان انتهى من الرتوش النهائية للوحة عرضها ألقى بها من قمة الجبل لتتناثر مكوناتها بين صخور الجبل قبل ان تصبح هباء منثورا لا أثر له، وعندما نزل من حيث كان إلى حيث يوجد الكثيرون من الناس، نظر اليه أحد محبيه وقال له لماذا تصر على ان تكون فاشلا فى إدارة موهبتك، كلما رسمت صورة جميلة أفسدتها، إما بعرضها فى أماكن لا تليق أو أمام أشخاص يكرهون الفن، ؟ هذه القصة ذكرتنى بفنانات وفنانين ولاعبين فى رياضات مختلفة ولديهم مواهب حقيقية نادرة ونالوا قسطا كبيرا من الشهرة لكنهم اغتالوا مواهبهم بسوء صنيعهم وسلوكياتهم التى لا يتصورها عقل، فمنهم من يغتال موهبته بالغرور ومنهم من يفعل الشيء نفسه بالإدمان أو ارتكاب جرائم تذهب بهم إلى غياهب السجون والنسيان، تأملت أيضا نماذج عديدة فى شتى مناحى الحياة لشخوص أذكياء ومميزين ولدى كل منهم موهبة فى مجاله، لكنهم بلا همة وليس لديهم روح وإرادة ومثابرة.
أعرف الكثيرين ممن لا يبذلون جهدا يذكر رغم نبوغهم الذى لا تخطئه عين ، فى نفس الإطار نجد العكس فى نماذج اخرى عديدة، ليس لديهم مواهب تذكر ولا يتمتعون بمهارات استثنائية، هم أناس عاديون او حتى محدودى الإمكانات، لكنهم يبذلون جهودا خارقة مدفوعين بإرادة صلبة وحب للنجاح والإنجاز والتميز، هؤلاء يحققون نجاحات تلو النجاحات حتى يصلوا إلى القمة رغم ضعف موهبتهم، بالمثل هناك شركات ودول تمام كل وسائل التميز والنجاح من ثروات وأموال وموارد لكنها تقبع فى مربعات الفشل دون تحقيق اى نجاحات تذكر، وهناك شركات ودول لا تملك شيئا من ذلك، لا ثروات طبيعية ولا موارد ولا أى شئ إلا الإرادة والإدارة التى تصنع المعجزات، وهناك أمثلة عديدة لدول تمثل الحالتين، حالة إدارة الفقر والفشل وادارة الثروة والنجاح، بيد أن الفكرة الأساسية التى يجب أن تكون عنوانا عريضا امام الجميع، ليس شرطا ان تكون موهوبا حتى تنجح كما ليس شرطا أن تكون ثريا حتى تكون سعيدا، فالموهبة تحتاج إلى إدارة حتى تؤتى ثمارها، ومن يملك الإرادة يملك كل شيء، وكما أن النجاح ثمرة جهود وتخطيط ومثابرة فالفشل ايضا ثمرة كسل وعشوائية.
النجاح امر صعب فى ظل بيئات تحارب النجاح، لذلك إذا تحقق عليك ان تمسك به وتتمسك بديمومته، والفشل امر سهل لانه يحدث دون ضجيج حيث الكسل وضعف الإرادة وعدم القدرة على الحلم هم خلطة الفشل فى كل زمان ومكان، لكن الأخطر من كل ذلك ان يتحقق النجاح ونفشل فى الحفاظ عليه، «الفشل فى ادارة النجاح هو اخطر من الفشل فى تحقيق النجاح».